علاء عبدالله يكتب: علي محمد الشرفاء الحمادي.. مفكر عربي حمل راية الإسلام المستنير إلى العالم وجعل السلام رسالةً للإنسانية

في زمن تتسع فيه دوائر الصراع، وتتداخل فيه صورة الإسلام الحقيقي مع خطابات التطرف والكراهية، تبرز الحاجة إلى أصوات فكرية قادرة على استعادة المعنى الإنساني للدين، وتقديم الإسلام بوصفه رسالة رحمة وعدل وسلام لا ساحة للصراع أو وسيلة لإقصاء الآخر، وفي هذا السياق يبرز اسم المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، مؤسس مؤسسة رسالة السلام العالمية، باعتباره صاحب مشروع فكري يسعى إلى إعادة قراءة الرسالة الإسلامية من منظور يركز على القرآن الكريم وقيمه الكبرى في العدل والرحمة والحرية والتعايش.
وعند البحث في المشروع الفكري للشرفاء الحمادي وما نشرته المؤسسات والمنصات المرتبطة بمشروعه، يتضح أن القضية المركزية التي يكرر التأكيد عليها هي ضرورة تحرير العقل من الجمود، والعودة إلى القرآن الكريم بوصفه مصدرًا للهداية والقيم، مع التمييز بين النص الإلهي وبين ما تراكم حوله من اجتهادات بشرية عبر التاريخ. وقد طرح في كتاباته الحديثة فكرة أن الإسلام لا ينبغي أن يبقى أسيرًا لقراءات الماضي، بل يجب أن يتفاعل مع احتياجات الإنسان المعاصر وتطور العلم والتكنولوجيا ومتطلبات بناء المجتمعات.
وهنا تكمن قيمة المشروع الذي يتبناه الشرفاء الحمادي؛ فهو لا يتعامل مع الإسلام باعتباره مجرد هوية دينية، وإنما باعتباره منظومة أخلاقية وإنسانية قادرة على تقديم إجابات لقضايا الإنسان من الأمن والسلام إلى احترام الحقوق والحرية والتعايش، وفي إحدى كتاباته المنشورة عبر مؤسسة رسالة السلام، يؤكد أن رسالة الإسلام تستهدف هداية الناس إلى ما يحقق لهم الأمن والاستقرار والعيش الكريم، ويربط ذلك بقيم الرحمة والرأفة والعفو والإحسان التي وصف بها القرآن الرسول الكريم.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم إصرار الشرفاء الحمادي على مواجهة الصورة المشوهة التي ارتبطت في بعض البيئات بالإسلام نتيجة ممارسات العنف والتطرف، فالمشكلة، في جوهر رؤيته، ليست في الرسالة الإسلامية، وإنما في بعض القراءات والتوظيفات التي يمكن أن تبتعد عن مقاصد القرآن وقيمه الإنسانية، ولذلك يركز مشروعه على إعادة تقديم الإسلام للعالم من خلال مفردات يفهمها الإنسان أينما كان: السلام، العدل، الرحمة، الحرية، احترام الإنسان، ورفض العدوان.
ولعل أبرز ما يميز تجربة الشرفاء الحمادي أنها لم تظل محصورة في الكتب والمقالات، وإنما انتقلت إلى العمل المؤسسي من خلال مؤسسة رسالة السلام العالمية التي أصبحت منصة لنشر هذا المشروع وتنظيم الندوات والفعاليات والتواصل مع الجامعات والمؤسسات الثقافية والدينية، وقد شهد عام 2026 نشاطًا واضحًا للمؤسسة في هذا الاتجاه من بينها ندوات حول الرسالات السماوية والدعوة إلى السلام وفعاليات مرتبطة بالمعارض الدولية للكتاب، بما يعكس رغبة في تحويل الفكر إلى حوار مجتمعي مفتوح.
والأهم أن رسالة المؤسسة لا تتوجه إلى فئة واحدة، وإنما تحاول الوصول إلى الشباب والمثقفين والباحثين والمؤسسات الدينية والثقافية في دول مختلفة، وهذا الجانب تحديدًا يمنح المشروع قيمة إضافية، لأن الأفكار لا تستطيع صناعة التغيير إذا بقيت داخل نطاق محدود بينما الحوار مع الشباب والجامعات والمراكز الثقافية يفتح المجال أمام بناء وعي جديد قادر على مواجهة التطرف والانغلاق.
ويظهر هذا التوجه أيضًا في الحضور الدولي للمؤسسة؛ فقد نشرت مصادر مرتبطة بالمشروع أخبارًا عن تحركات وفعاليات في أوروبا وآسيا ومناطق أخرى، كما تناولت تقارير انضمام مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى منظومة اليونسكو كمنظمة غير حكومية معتمدة، وهو تطور يقدم للمؤسسة مساحة أوسع للتواصل مع المنظمات الدولية المعنية بالثقافة والتعليم والسلام.
وإذا كانت المؤسسات الفكرية تقاس بقدرتها على الانتقال من الفكرة إلى التأثير، فإن تجربة مؤسسة رسالة السلام تستحق التوقف عندها، خصوصًا في ظل الفعاليات التي تجمع ممثلين عن خلفيات دينية وثقافية مختلفة حول قضية واحدة هي السلام، ففي ندوة بالإسكندرية، شارك ممثلون عن مؤسسات دينية وثقافية وتناول النقاش فكرة السلام باعتبارها قيمة إنسانية تتجاوز الحدود الدينية والجغرافية، وهو نموذج يعكس أحد الأهداف التي يطرحها المشروع الفكري للشرفاء الحمادي.
والحديث عن الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي لا يكتمل من دون الإشارة إلى اهتمامه بقضية الحوار بين الأديان، فمشروعه، وفق ما تنشره المصادر التي تناولت أفكاره، ينطلق من التأكيد على وحدة الأصل الإنساني وحرية الاعتقاد وضرورة أن يكون التنوع الديني والثقافي وسيلة للتعارف والتكامل، وليس سببًا للصدام، كما أن بعض مؤلفاته تتناول العلاقة بين الإسلام والمسيحية من زاوية البحث عن القواسم الإنسانية والقيم المشتركة.
وهذه الرؤية تكتسب أهمية مضاعفة في عالم يعاني من أزمة ثقة بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، فالحوار الحقيقي لا يعني إلغاء الاختلاف وإنما يعني القدرة على إدارة الاختلاف بعيدًا عن الكراهية والعنف، ومن هنا تأتي أهمية أي مشروع يحاول بناء جسور بين المختلفين، خاصة عندما يستند إلى خطاب ديني يدعو إلى احترام الإنسان ورفض الاعتداء عليه.
ومن اللافت كذلك أن الشرفاء الحمادي يولي مسألة حرية الاعتقاد اهتمامًا واضحًا في كتاباته، ويرى أن الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يقوم على الإكراه، وأن مسؤولية الإنسان عن اختياره الديني ترتبط بالحرية والقناعة، وهي رؤية تضع الإنسان في مركز العملية الفكرية وتتعامل معه باعتباره صاحب عقل وضمير ومسؤولية وليس مجرد تابع لما يقال له.
ومن هنا يمكن القول إن أحد أهم أوجه الإشادة بمشروع الشرفاء الحمادي يتمثل في محاولته إعادة الاعتبار للعقل في الخطاب الديني، ففي زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة للجميع، وأصبح الشباب قادرين على الوصول إلى آلاف المصادر خلال دقائق، لم يعد من الممكن بناء وعي ديني معاصر يقوم على التلقين وحده، المطلوب هو عقل يسأل ويبحث ويقارن ويتدبر، ودين يواجه الإنسان بالحجة والأخلاق بدل التخويف والكراهية.
وهذه الفكرة تظهر بوضوح في كتاباته حول تحرير العقول، حيث يربط بين دعوة القرآن إلى القراءة والتعلم وبين حاجة الإنسان إلى البحث العلمي والتفكير في المستقبل ومواجهة تحديات الحياة الحديثة، وبذلك يحاول أن يقدم تصورًا للإسلام لا يتعارض مع العلم والتقدم، بل يرى في المعرفة وسيلة لخدمة الإنسان وتحسين حياته.
ولا يمكن أيضًا تجاهل الدور الذي تقوم به مؤسسة رسالة السلام في إنتاج ونشر المحتوى الثقافي والفكري الموجه إلى قطاعات مختلفة من المجتمع من خلال المجلات والإصدارات والندوات والفعاليات، فقد واصلت المؤسسة خلال عام 2026 نشر مواد فكرية للمفكر علي محمد الشرفاء الحمادي، من بينها موضوعات تتناول القرآن وحقوق الإنسان والحرية الدينية وبناء الإنسان والمجتمع.
ومن وجهة نظري، فإن القيمة الحقيقية في تجربة علي محمد الشرفاء الحمادي لا تتمثل فقط في عدد الكتب أو المقالات التي قدمها، وإنما في الإصرار على طرح سؤال أصبح ضروريًا في العالم العربي والإسلامي: كيف يمكن أن نقدم الإسلام للعالم من خلال أخلاقه وقيمه، لا من خلال الصور التي صنعتها الصراعات والتطرف؟.
هذا السؤال وحده يستحق أن يكون محورًا لحوار عربي وإسلامي واسع، لأن مستقبل الخطاب الديني لن يتحدد فقط بما يقوله المتخصصون، وإنما بمدى قدرته على الوصول إلى الإنسان المعاصر وإقناعه بأن الدين يمكن أن يكون مصدرًا للسلام والأمل والعمل والبناء.
ولذلك فإن الإشادة بالدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي ليست مجرد إشادة بشخصية فكرية، وإنما تقدير لمشروع يحاول أن يجعل من الفكر وسيلة لخدمة الإنسان، ومن القرآن منطلقًا لقيم العدل والرحمة والسلام، ومن الحوار جسرًا بين الشعوب والثقافات.
لقد اختار الشرفاء الحمادي أن يخوض معركته بالكلمة والكتاب والفكرة، وأن يضع قضية السلام في قلب مشروعه، وأن يحول مؤسسة رسالة السلام العالمية إلى مساحة للحوار والتواصل ونشر المعرفة، وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى الأصوات التي ترفض الكراهية، يصبح هذا النوع من العمل الفكري والثقافي أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إن خدمة الإسلام، في تقديري، لا تكون برفع الشعارات وحدها، وإنما بإظهار قيمه في التعامل مع الإنسان، واحترام كرامته، ونشر العدل، ومحاربة الظلم، ورفض العنف، والدعوة إلى السلام، وهذه هي المساحة التي اختار الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أن يتحرك فيها، مقدمًا مشروعًا فكريًا يريد أن يقول للعالم إن الإسلام الذي يعرفه القرآن هو إسلام الرحمة والعدل والإنسانية.
وفي النهاية، يبقى أهم ما يمكن قوله عن الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أنه مفكر اختار أن يجعل السلام قضية فكرية، والقرآن منطلقًا للبحث، والإنسان محورًا للرسالة، ومهما اختلفت الآراء حول بعض أطروحاته الفكرية، فإن حقه في طرح الأسئلة وإثارة النقاش والدعوة إلى الحوار يظل جزءًا من الحراك الفكري المطلوب لتجديد الخطاب الديني ومواجهة التطرف وبناء جسور التفاهم.
وفي زمن يحتاج فيه العالم الإسلامي إلى خطاب يجمع ولا يفرق، ويصالح ولا يصادم، ويبني ولا يهدم، تظل تجربة الشرفاء الحمادي ومؤسسة رسالة السلام العالمية واحدة من التجارب التي تستحق المتابعة والنقاش والتقييم، لأنها تضع أمامنا سؤالًا بالغ الأهمية: هل آن الأوان لأن يستعيد الإسلام صورته الإنسانية التي تقوم على الرحمة والعدل والسلام؟.






