علاء عبدالله يكتب: من إسطنبول.. “رسالة السلام” تفتح أبواب الفكر أمام الشباب وتعيد الحوار إلى الواجهة

في مشهد يعكس أهمية الحضور الثقافي والفكري في بناء جسور التواصل بين الشعوب، شهد جناح مؤسسة رسالة السلام العالمية في معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي زيارة وفد من طلاب جامعة إسطنبول، في خطوة تتجاوز فكرة زيارة معرض للكتب إلى مساحة أوسع للحوار والتعرف على الأفكار التي تطرحها المؤسسة ومشروعها الثقافي.
وحملت الزيارة دلالة مهمة، خاصة أنها جاءت من شريحة الشباب والطلاب، وهي الفئة الأكثر احتياجًا إلى مساحات مفتوحة للنقاش والتفكير بعيدًا عن خطابات التعصب والاستقطاب، وقد اطلع الطلاب على مجموعة من إصدارات المؤسسة ومؤلفات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، وتعرفوا على أبرز القضايا التي تتناولها وفي مقدمتها تعزيز السلام والتعايش ونبذ العنف والصراعات.
ولم تتوقف الزيارة عند حدود الاطلاع، إذ أبدى عدد من الطلاب اهتمامًا واضحًا بالإصدارات وحرص بعضهم على اقتناء مجموعة من الكتب، بينما جرى إهداء عدد آخر من الإصدارات للوفد، وهو ما يكشف عن وجود رغبة لدى قطاع من الشباب في اكتشاف الأفكار والمشروعات الفكرية التي تتناول قضايا الإنسان والمجتمع والسلام.
وتكمن أهمية هذه الزيارة في طبيعة ضيوف جناح المؤسسة، فالتواصل مع طلاب الجامعات يعني التواصل مع جيل سيكون له دور أساسي في تشكيل مستقبل المجتمعات، فالكتاب لا يؤدي دوره الحقيقي عندما يبقى داخل أرفف المكتبات وإنما عندما يتحول إلى سؤال وحوار وفكرة قابلة للنقاش، ولذلك فإن وصول الإصدارات الفكرية إلى الشباب يمثل خطوة مهمة في بناء وعي قادر على التعامل مع قضايا العصر بعيدًا عن الأحكام المسبقة.
ومن هذه الزاوية، تبدو مشاركة مؤسسة رسالة السلام في المعرض فرصة لخلق علاقة مباشرة بين الفكر والقارئ، وبين الكاتب والجمهور، خصوصًا أن المعارض الثقافية تمنح مساحة نادرة للقاءات المباشرة وتبادل الأفكار.
ويمثل التأكيد على مفاهيم السلام والتعايش ونبذ العنف والصراعات محورًا أساسيًا في مشروع المؤسسة، وفق ما ظهر خلال الزيارة والتعريف بإصداراتها، وهنا يمكن النظر إلى هذه الفعاليات باعتبارها جزءًا من معركة أكبر، وهي معركة مواجهة خطاب الكراهية من خلال الفكر والمعرفة، فالمجتمعات لا تستطيع أن تبني استقرارًا حقيقيًا بالحلول الأمنية وحدها، وإنما تحتاج أيضًا إلى خطاب ثقافي يواجه الأفكار التي تنتج التعصب، ويعزز قيم الحوار وقبول الآخر، والشباب تحديدًا يمثلون نقطة البداية؛ لأن الأفكار التي تتشكل في مرحلة الدراسة والجامعة يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في طريقة تعامل الإنسان مع الاختلاف طوال حياته.
ويحمل اختيار معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي لإيصال هذا المشروع الفكري بدوره أهمية خاصة، إذ يجمع المعرض جمهورًا عربيًا وتركيًا ومهتمين بالثقافة العربية والإنتاج الفكري، ومن ثم فإن وجود المؤسسة داخل هذا المحفل لا يقتصر على عرض الكتب، وإنما يتيح فرصة للتعريف بمشروعها أمام جمهور متنوع، وفتح قنوات للتواصل مع القراء والناشرين والمثقفين والباحثين، كما أن الزيارة الطلابية تؤكد أن المعارض الدولية يمكن أن تتحول من مجرد أسواق للكتب إلى منصات حقيقية للنقاش الثقافي، عندما تتوافر فيها الفعاليات التي تشجع الجمهور على الحوار والتفاعل.
وتكشف تصريحات أسامة إبراهيم، الأمين العام المؤسس والمشرف على جناح المؤسسة، حول أهمية التواصل مع طلاب الجامعات والمؤسسات التعليمية والثقافية، عن إدراك واضح لدور التعليم في نشر ثقافة الحوار والتفاهم، فالجامعة ليست فقط مكانًا للحصول على المعرفة الأكاديمية، وإنما مساحة تتشكل فيها شخصية الطالب، وتتوسع فيها رؤيته للعالم، ويتعلم فيها كيفية الاختلاف مع الآخرين دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، ولهذا فإن ربط المؤسسات الفكرية والثقافية بالجامعات يمكن أن يخلق بيئة أكثر قدرة على إنتاج الأسئلة ومناقشة القضايا الكبرى، بدل الاكتفاء بتلقي المعلومات.
والرسالة الأعمق التي يمكن قراءتها في هذه الفعالية هي أن مواجهة العنف لا تبدأ دائمًا من مواجهة نتائجه، وإنما من مواجهة الأفكار التي تمهد له، فالكتاب الذي يطرح قيم السلام، والحوار الذي يفتح المجال أمام الرأي الآخر، واللقاء الذي يجمع الشباب بالمؤسسات الثقافية، كلها أدوات ناعمة يمكن أن تسهم في بناء مجتمع أكثر قدرة على مقاومة التطرف الفكري.
وفي هذا السياق تأتي مؤلفات المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي ضمن مساحة النقاش التي تتيح للطلاب التعرف على رؤى وأفكار تتناول قضايا السلام والتعايش والعلاقة بين الدين والمجتمع والإنسان.
اللافت كذلك أن زيارة طلاب جامعة إسطنبول تأتي ضمن سلسلة من اللقاءات والفعاليات التي يشهدها جناح مؤسسة رسالة السلام خلال مشاركتها في المعرض، وهذا يعني أن المشاركة لا تبدو مجرد حضور مؤقت، وإنما محاولة لبناء شبكة أوسع من العلاقات مع الزوار والناشرين والمهتمين بالشأن الفكري والثقافي، وهنا تظهر قيمة الاستمرارية؛ فالتأثير الثقافي لا يصنعه حدث واحد، وإنما يتشكل عبر تراكم اللقاءات والكتب والنقاشات والمبادرات.
وتكشف قائمة المشاركين في الوفد عن حضور عدد من قيادات المؤسسة وأعضاء مجلس الأمناء والهيئات التابعة لها، حيث يترأس الوفد مجد طنطاوي، المدير العام للمؤسسة، ويضم خالد العوامي نائب رئيس مجلس الأمناء لشؤون الصحافة والإعلام، وعاطف الذايد رئيس الهيئة الاستشارية وعضو مجلس الأمناء، وأسامة إبراهيم الأمين العام المؤسس، إلى جانب الدكتور هشام النجار، والدكتور أحمد الشريف، والدكتور سامح عباس، ومحمد الشنتناوي، ومحمد شيخ حسن مدير مكتب المؤسسة في كندا.
ويعكس وجود هذا الفريق داخل فعالية ثقافية دولية رغبة في أن تكون المشاركة أكثر من مجرد عرض للإصدارات، وأن تتحول إلى مساحة للتعريف بالمشروع والتفاعل المباشر مع الجمهور، ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية من أجل السلام قد تبدأ من مكان يبدو هادئًا وبسيطًا: جناح كتاب، وشاب يفتح صفحة، وفكرة تفتح بابًا جديدًا للحوار.






