علاء عبدالله يكتب: عندما يتحول الدين إلى أداة للسلطة.. أين يقف العدل بين الشعارات والممارسات؟

يفتح المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي في مقاله “دولة المسلمين بين الحق والباطل” ملفًا شائكًا حول العلاقة بين الدين والسياسة متوقفًا عند واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهي استخدام الإسلام كشعار سياسي أو وسيلة للوصول إلى السلطة، ثم توظيف الخطاب الديني لتبرير ممارسات قد تتناقض مع قيم العدل والرحمة التي يؤكد عليها القرآن الكريم.
وينطلق المقال من فكرة أساسية مفادها أن الإسلام لم يأتِ ليكون مجرد اسم لنظام سياسي، وإنما جاء برسالة تستهدف بناء الإنسان وإقامة مجتمع يقوم على العدل والأمان والتعاون، ومن هذا المنظور يرى الكاتب أن إصلاح الفرد يمثل نقطة البداية الحقيقية لإصلاح المجتمع، وأن الدولة لا يمكن أن تحقق الاستقرار بمجرد رفع الشعارات الدينية، وإنما بما تطبقه فعليًا من قيم ومبادئ.
ويضع الشرفاء معيار العدل في مقدمة المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها الحكم، مستندًا إلى قوله تعالى: “وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”، ليؤكد أن اسم النظام السياسي أو الصفة التي يطلقها على نفسه لا تكفي للحكم عليه، فالدولة لا تصبح عادلة لمجرد أن اسمها ارتبط بالإسلام كما أن المؤسسات أو الجماعات لا تكتسب بالضرورة صفة الالتزام الديني لمجرد استخدام مفردات دينية في أسمائها أو خطابها.
ويشير المقال إلى أن التاريخ يقدم نماذج متعددة لصراعات سياسية جرت تحت شعارات دينية وهو ما يدفع إلى ضرورة الفصل بين الدين باعتباره رسالة وقيمًا وبين التجارب البشرية التي قد تصيب أو تخطئ، فالخلافة وفق الرؤية المطروحة، ليست نظامًا سياسيًا مقدسًا لا يحتمل النقد وإنما تجربة بشرية عرفها المسلمون في مراحل تاريخية مختلفة، مثلما عرفت المجتمعات أنظمة ملكية وجمهورية وغيرها من أشكال الحكم.
ومن هنا يؤكد الشرفاء أن أخطاء المسلمين أو الحكام أو الجماعات لا ينبغي تحميلها للدين نفسه لأن الإنسان يظل مسؤولًا عن اختياراته وتصرفاته، فرفع شعار الإسلام لا يمنح أي حاكم أو جماعة حصانة من المحاسبة ولا يحول الظلم إلى عدل، ولا يمنح القرارات السياسية صفة القداسة لمجرد تقديمها باعتبارها صادرة باسم الدين.
ويتناول المقال كذلك قضية الجماعات التي استخدمت الخطاب الديني لتبرير العنف معتبرًا أن القتل والتفجير والتخريب وترويع الأبرياء لا يمكن أن تكون تعبيرًا عن جوهر الإسلام الذي يقوم، وفق الطرح، على الرحمة والعدل والسلام والتعاون، ويستند الكاتب إلى الآية الكريمة “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” للتأكيد على أن الدين لا يمكن أن يكون غطاءً لممارسات تتناقض مع هذه القيم.
ولا يقتصر طرح الشرفاء على علاقة الدين بالسلطة، بل ينتقل إلى علاقة الإنسان المباشرة بربه، مؤكدًا أن هذه العلاقة لا تحتاج إلى وسيط يحتكر فهم الإيمان أو يدعي امتلاك تفويض ديني على الآخرين، ويستند في ذلك إلى الآيات التي تؤكد قرب الله من عباده معتبرًا أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالشعارات والكلمات وحدها، وإنما يظهر في سلوك الإنسان وأمانته وعدله واحترامه لحقوق الآخرين.
كما يلفت المقال إلى ما يصفه بتوظيف بعض المفاهيم الدينية في صناعة تصورات تقوم على الأسرار أو المفاتيح الخاصة للاستجابة، مؤكدًا أن الدعاء في التصور الذي يقدمه لا ينفصل عن الإيمان والعمل والسلوك. فالمسألة ليست مجرد ترديد كلمات، وإنما التزام بما يؤمن به الإنسان وانعكاس ذلك على حياته وتعاملاته.
وفي النهاية، يعيد المقال طرح السؤال حول المرجعية التي ينبغي أن يعود إليها الإنسان في فهم الدين مؤكدًا أن القرآن الكريم يمثل، وفق رؤية الكاتب، المرجعية الأساسية، بعيدًا عن تحويل الإسلام إلى أداة سياسية أو وسيلة لتحقيق النفوذ والمصالح، ويترك الشرفاء القارئ أمام معيار واضح للحكم على أي جماعة أو نظام يرفع شعار الإسلام: ليس الاسم الذي يحمله، وإنما ما يقدمه من عدل، وما يمارسه من احترام للإنسان، وما يحققه من أمن وسلام.
وبذلك يقدم المقال قراءة تنتقد تحويل الدين إلى لافتة سياسية، وتدعو إلى تقييم التجارب البشرية من خلال أفعالها ونتائجها لا من خلال الشعارات التي ترفعها، مؤكدًا أن جوهر الرسالة الدينية، كما يطرحها الكاتب، يرتبط ببناء الإنسان وترسيخ العدل والرحمة والسلام، وأن الخلط بين الدين والصراع على السلطة قد يقود إلى الابتعاد عن القيم التي يفترض أن يمثلها الدين.





