المزيدمقالات

دهشة التفاصيل الصغيرة

 

حاتم عبدالهادي السيد

منذ البداية يطالعنا د./ صلاح فاروق بعنوان مثير وملغز في ديوانه : ( الحياة السرية للآباء ) فأية أسرار هذه التي سيكشف عنها ؟! ، وأي آباء يقصد ؟ ، كما تشي لوحة الغلاف بصورة أكثر سوريالية وغموض لرجل وامرأة شاخا في العمر ، وغربت عيناهما ، إلا أن وجهيهما لازالا ينضحان بريعان الصبا ، وجمال مقدس آسر وحزين أيضاً .!1 .إنها حياة سرية – بالطبع – كما قصد ، فهل سنراه يكشف عن هذه الحياة ، أم سيحاول بطلسم الشعر أن يحيلنا الى دوال ومدلولات سيموطيقية سوريالية غاية في الإثارة والإدهاش والغموض ؟! .

ربما جاء الإهداء كاشفاً عن بعض هذه الالغازية ، يقول : ( في هذه المرة لها وحدها ، الطرف الغامض في حياتي السّريّة ) ، وهنا يحيلنا إلى الذات/ ذاته( حياتي ) ؛ إلى الصمت والسكون، والبوح، وكأنه يحاول أن يماهى بالعنوان الملغز عن الحبيبة التي تختفي في هذا الركن السري الغامض !! .

وفى قصيدته الأولى ( الحياة السرية ) نراه يبدأ ألحكي الشعري عن أيام العطل حيث يجلس ليشرب القهوة ، ويقرأ الصحف ، ثم يبدأ في الكتابة ، وتبدأ دورة الحياة المكررة لديه ، يقول : ( هذه حكاية رجل يكرر نفسه ، ويكرر نفسه / حتى ينتهي كل شيء إلى أطياف غامضة لحكاية / تشبه ما يمكن أن نفعله كهذي / أيها الأصدقاء وداعاً / لم يعد عندي ما أكتبه من أجلكم / ولا أعتقد أن لديكم ما تفعلونه من أجلى).

انها حكاية – كما يقرر – لرجل يكرر نفسه مرات كثيرة ، حيث أكد هذه الجملة مرتين كما وصف هذه الحكاية بالغموض ، ونرى المفارقة الانتقالية الغريبة فى الانتقال من السرد الذاتي عن حاله إلى الحديث عن الأصدقاء وكأنه أراد أن يفك الارتباط بينه وبينهم – منذ البداية – وتلك حيلة لطيفة أراد بها عدم كشف سرية هذه الحكاية – كما أرى – ليعيش في حياته السرية ، أو لربما لا يريد أن يطّلع على هذه الحياة سواه فقط .

ثم نراه في قصيدته ( أيام الجمع ) يحاول أن يكرر المشهد – يماهى إلى النهاية ليبعد المتلقي / الأصدقاء عن سبر أغوار هذه الحياة السرية – لذا نراه – طيلة الوقت – يجلس إلى المقهى ، يشرب القهوة والسجائر ويقرأ الصحف وينظر إلى المارة فى لامبالاة أو لربما في رؤية مجهول غامض يهفو إلى لقاءه ، لذا لا ضير عنده أن يراه الآخرون على هذه الحالة – كغيره من المثقفين – الذين يسمهم المجتمع بالمجانين مع أن قناعات المثقف لا تقف ولا تأبه لهؤلاء ، يقول : (لسنا مجانين حقاً ، لكننا دوماً مرشحون لهذا / النوع من النهايات المؤسفة ، النهايات عينها / حيث تنقلب الأعين في محاجرها ، وحيث تكون / لدينا الأسباب وافرة لكي نتخلص من ملابسنا في هدوء ).

إن الشاعر هنا /الذات الشعرية يمر بأزمة تحيله إلى تصور ذاته في أعين الآخرين ، ومع أنه غير عابئ بذلك ، إلا أن لغة السرد الشعري المشهدي تتبدى لتصوير الذات التي يدور في فلكها طوال الوقت . هذا ويبدو المقهى وفنجان القهوة والجلوس بترقب عبر ” الصمت والسكون ” ،هو السمت الظاهر في أكثر القصائد ، إلا أن الوحدة قد جعلته يندب حظه العاثر ، فبدلاً من البحث عن صديق ،( وهو الذي آثر الابتعاد عن الأصدقاء منذ البداية) ، نراه يكلم ذاته ويندب حظه فى الحياة ، يقول : ( سأعطيك شيئاً واحداً لتتخلى عنى أيها الحظ : / أنت لم تساندني مرة ، فلماذا تفكر الآن في / حاجتي إليك ! / ولماذا تعتقد أنى سأسمح أن تتسرب إلى حياتي ، / كيما تعطيها لوناً آخر ! / أنت لما تساندني مرة ، حتى فى اللحظات / التي احتجت فيها إلى صديق ، / لمجرد أن يكون لدىّ صديق ).

انه – إذن – يعيش الوحدة والفقد والمرار ، حتى الصديق استكثرته الأيام عليه ، وعندما وجده ( الصديق الغامض ) وكان ينتظر مجيئه لم يجيء وظل في المقهى – على حاله الثابت يدخن ويشرب القهوة ، يقول : ( ساعة أخرى / ننتظر صديقاً غامضاً / في مقهى غريب / ساعة وراء أخرى / أشرب قهوة / وبعض الماء / وكثير من السجائر / ولا أفعل شيئاً / سوى قراءة صفحات من كتاب عابر / فى انتظار لحظة / من شيء غامض مثلى / ولسوف أجلس غداً / في مقهى مشابه / أدخن / وأشرب / واقرأ ) .

إن المقهى هنا يمثل محطات وزمانية في حياته حيث ( الصديق الغامض ) و ( المقهى الغريب )و ( الكتاب العابر ) والسجائر والقهوة وكلها حالات تدلل إلى ثبات حاله دون أي تحولات بل نراه يصر في الغد على الجلوس في مقهى آ غامض ( مشابه ) – كما ذكر ليعيد إنتاجية الذات الميكانيكية ، أو تلك الحياة المجانية العابثة المتكررة كما دلل إليها عبر العلامة السيموطيقية في أول قصائد الديوان – كما أسلفنا – فهو يبحث عن الأنس بعد الفقد ، وعن ملأ حالة الفراغ العاطفي والذاتي ، حالة الغربة الزمكانية فلربما قاده الحظ السعيد – الذي لا يجيء – إلى حبيبة ، أو يد حانية تخفف حالة الانكسار الذاتي ، لذا نجده يغادر البلاد بعيداً ، بحثاً عن ذاته ، أو إلى من تطيب له جروحه العالقة بالروح والجسد من اثر ذلك الاغتراب وتلك الغربة الموحشة .

إن الشاعر – هنا – يصنع لنا في حياته السرية ، حياة موازية تماماً ، متخيلة لفتى حالم ، يعشق ديمومة الحلم وسيميائيته ، ويعيش مع خيالات الظنون وأحلام اليقظة / خيالاته الشعرية للذات المتخيلة ، المروى عنها ، ذات المخاطب ، دون أن يتدخل في مشهدية الأحداث ، إذ تنساب لغته / بصيغة السرد الشعري ، أو القصة الشاعرة ، ليحيلنا إلى ذواتنا وتصوراتنا حيث الحياة لديه حلم جميل وغرام متخيل وامرأة لا تجيء إلا على بساط الريح ، على أمل أن تتحقق هذه الأحلام يوماً ما ، أو هو أراد لها ذلك وعاش الحلم حتى النهاية .

هذا وتميل لغة الشاعر إلى التكثيف والتجريد ، ويبدو أنه يفرغها من العاطفة ليماهى بها في سوريالية تشبه أشجار الخريف حيث الأوراق الخضراء تتجرد من فوق الأشجار فتحيلنا إلى مشهدية العراء والخواء الكوني الذي يشبه الخواء العاطفي – الذي أحالنا إليه بمهارة عارف بتفاصيل اللغة – ليماهى به في لعبته الشعرية السيميائية ذواتنا / ذاته ، كما تبدو إحداثيات أسلوبيته غاية في الروعة والسموق عبر المخيال الشعري للصور التجريدية التي تنحو إلى الأسطورة / أسطورة الشاعر الحكائية لحياته السرية عن الآباء المخبر عنهم ، وغير المصرح بهم ،كما نلحظ اللغة الاشارية الدالة التي ترسم المشهدية الشعرية لعالمه المتخيل ، اذ أنه طوال الوقت مشغول بسرد حكايته الشعرية ، أو حكائيته السرية التي ببراعة شديدة وحذق ماهر بتفاصيل اللغة لم يكشف لنا عبر متتالياته اللغوية الجمالية / قصائده ، أو نصوصه السردية ، عن أي سر من تلك الأسرار التي ماهانا بها في عنوانه الدال ، وإنما بحيله اللغوية المغلقة قد استطاع أن يحيلنا الى شعرية التكثيف ليدخلنا إلى حلبته الشعرية السرية الغامضة حيث الوحدة والقلق والاغتراب ، لذا نراه يعتذر للقارئ في النهاية عن غوايته بالسرد وايهاماته بكشف التجليات الخبيئة التي لم يكشفها كذلك ، يقول : ( أيها السادة /أنا ضيف ثقيل / ضيف ثقيل جداً / تعرفون الحال / حين تكون سخيفاً / لا تستطيع أن تبتسم / كما تقضى المجاملة / حين يكون ثمة داع لخداعكم / برغم ذلك / أنا الوحيد بينكم / الوحيد دائماً) .

يظل الديوان علامة فارقة في التمكن اللغوي والمماهاة بالحيل اللغوية الادهاشية ؛ التي تعتمد التكثيف ودفق الصور الجمالية السوريالية /السيميائية ،التي تندفع على مهل لتصل بنا إلى مرافئ عالمه السري المثير والمدهش والغامض والجميل، والصامت أيضا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى