علاء عبدالله يكتب: من القاهرة إلى أوسلو.. رسالة سلام تصل إلى مركز نوبل وتعيد طرح سؤال الحوار بين الشعوب

في توقيت تتزايد فيه الصراعات وتتعقد فيه الأزمات الدولية، تأتي رسالة الشكر التي تلقتها مؤسسة رسالة السلام العالمية من مركز نوبل للسلام في أوسلو لتفتح بابًا مهمًا أمام التفكير في قيمة المبادرات التي تضع السلام والحوار والتعايش في مقدمة أولوياتها.
واللافت في هذه الخطوة ليس مجرد وصول خطاب تقدير من مؤسسة دولية، وإنما ما يحمله التواصل من دلالة على أهمية طرح الأفكار العربية التي تنطلق من مفاهيم الرحمة والتسامح والعدل والمساواة والأخوة الإنسانية، وهي القيم التي تؤكد عليها مؤسسة رسالة السلام العالمية منذ تأسيسها على يد المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي.
ومن وجهة نظري، فإن قيمة هذه الخطوة تكمن في أن السلام لا يُصنع فقط داخل غرف السياسة والمفاوضات، وإنما يبدأ أيضًا من الأفكار التي تعيد تشكيل وعي الإنسان تجاه الآخر، وتؤسس لعلاقة تقوم على الحوار بدلًا من الصدام.وعلى التفاهم بدلًا من الكراهية.
والتواصل الذي جرى بين مؤسسة رسالة السلام العالمية ومركز نوبل للسلام لم يكن مجرد تبادل للمعلومات، وإنما يمثل محاولة للتعريف بمشروع فكري وإنساني يسعى إلى تعزيز ثقافة السلام ونبذ التطرف والعنف، وقد ساهم الأستاذ محمد معتز، منسق العلاقات الخارجية بمكتب المؤسسة في القاهرة، في تقديم أنشطة المؤسسة ورؤيتها ومبادراتها إلى مركز نوبل للسلام، بما يعكس أهمية الدبلوماسية الفكرية في إيصال الرسائل الإنسانية إلى المؤسسات الدولية.
وهنا يمكن التوقف أمام فكرة مهمة: فالمؤسسات التي تعمل من أجل السلام تحتاج إلى أن تتواصل مع بعضها البعض، لأن القضايا الإنسانية لا تعرف حدودًا جغرافية، ولا يمكن أن تظل جهود نشر التسامح والحوار حبيسة نطاق محلي محدود.
والخطاب الذي وجهته السيدة Helena Boyden Lamb، مديرة استراتيجية البرامج والشراكات بمركز نوبل للسلام في أوسلو، والسيدة Ingvill Bryn Rambøl، رئيسة قسم المعلومات بالمركز، حمل تقديرًا لاهتمام مؤسسة رسالة السلام العالمية بموضوعات مؤتمر نوبل للسلام لعام 2026، وفي مقدمتها المجتمع المدني والحوار والتعايش السلمي.
وأرى أن هذه الإشارة تحديدًا تستحق التوقف؛ لأن المجتمع المدني أصبح أحد الأطراف الأساسية في صناعة الوعي والسلام، خاصة في عالم لم تعد فيه الحكومات والمؤسسات الرسمية وحدها قادرة على مواجهة خطاب الكراهية والتطرف، فالمجتمع المدني يستطيع الوصول إلى الناس بصورة مختلفة، ويملك القدرة على تحويل قيم مجردة مثل التسامح والمساواة إلى ممارسات وسلوكيات يومية.
ومن أهم الأفكار التي تفرض نفسها عند قراءة هذه الخطوة أن السلام لا ينبغي اختزاله في توقف إطلاق النار أو انتهاء النزاعات المسلحة، فالسلام الحقيقي يبدأ عندما تتغير طريقة تفكير الإنسان تجاه المختلف عنه، وعندما يصبح الحوار وسيلة لفهم الآخر بدلًا من اعتباره خصمًا، وعندما تتحول قيم العدل والمساواة والرحمة إلى قواعد تحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والدول.
ولهذا فإن الاهتمام بمؤتمر نوبل للسلام لعام 2026، وما يناقشه من قضايا الديمقراطية والسلام والمجتمع المدني ودور الشباب، يكتسب أهمية خاصة، لأنه يضع أمام العالم سؤالًا يتجاوز حدود السياسة: كيف يمكن بناء مجتمعات قادرة على حماية السلام قبل أن يتحول الخلاف إلى صراع؟
وتبرز أهمية متابعة مؤسسة رسالة السلام العالمية للمؤتمر حتى عبر البث الإلكتروني، في أنها تمنحها فرصة للتفاعل مع نقاش دولي يضم شخصيات حاصلة على جائزة نوبل للسلام، من بينها ماريا ريسا وأليس بيالياتسكي وخوان مانويل سانتوس إلى جانب عدد من الشخصيات والناشطين الدوليين.
وهنا أرى أن الحضور العربي في مثل هذه المساحات الدولية لا يجب أن يكون حضورًا شكليًا، بل ينبغي أن يكون قائمًا على تقديم رؤية فكرية واضحة حول السلام، تستند إلى التجربة العربية وتحدياتها.وتطرح في الوقت نفسه خطابًا إنسانيًا قادرًا على مخاطبة العالم.
وتأتي هذه الخطوة في سياق المشروع الذي يتبناه المفكر العربي الكبير الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي يركز على نشر ثقافة السلام وترسيخ قيم الرحمة والتسامح والعدل والمساواة والأخوة الإنسانية. والأهم هنا أن أي مشروع للسلام يحتاج إلى الانتقال من مستوى الشعارات إلى مستوى الفعل؛ أي أن تتحول الدعوة إلى السلام إلى وعي، والتعليم إلى أداة لمواجهة التطرف، والحوار إلى وسيلة لمعالجة الخلافات.
ومن هذه الزاوية، فإن التواصل مع مركز نوبل للسلام يمكن النظر إليه باعتباره فرصة لتعريف المؤسسات الدولية برؤية عربية تضع الإنسان في قلب مشروع السلام.
في النهاية، أعتقد أن الرسالة الأهم في هذه الواقعة ليست خطاب الشكر في حد ذاته، وإنما ما يرمز إليه من إمكانية بناء جسور بين المؤسسات والأفكار والثقافات، فالعالم اليوم أمام أزمات لا يمكن مواجهتها بالسلاح وحده ولا تستطيع القرارات السياسية بمفردها أن تنهي آثارها، هناك حاجة إلى مشروع إنساني يعيد الاعتبار للحوار، ويواجه خطاب الكراهية، ويؤكد أن الاختلاف بين البشر لا يجب أن يتحول إلى سبب للصراع.
ومن هنا تصبح مشاركة مؤسسة رسالة السلام العالمية في متابعة مؤتمر نوبل للسلام لعام 2026 فرصة للاستماع والمشاركة والتفاعل مع نقاش عالمي حول مستقبل السلام، والأهم أن تكون الرسالة العربية حاضرة فيه؛ رسالة تقول إن بناء السلام يبدأ من الإنسان، وإن الحوار قد يكون أحيانًا أقوى من أي وسيلة أخرى لإنقاذ المجتمعات من دائرة الصراع.






