حاتم عبدالهادي السيد يكتب:أيقونة الوادي الجديد والقصة القصيدة
تجئ قصص عبير فوزي لتعيد تشكيل الذائقة النقدية والأدبية بموضوعات جديدة في مسيرة السرد القصصي فهي تحمل تجديدا يجمع بين القصة والقصيدة حيث تصوغ ذلك بلغة شاعرة؛ وبسرد مكتنز يحمل سمات التجديد لمشروع السرد المصري المعاصر .
وفي مجموعتها ” طوقني حتى الموت ” تستخدم تقنية الرسائل لتعيد تجديد السرد القصصي بروح عصرية جديدة ؛ فهي قصص .. رسائل.. شعر قصصي معاصر عبر رسائها اليه، وافضاءاتها عبرالمتخيّل الكونى؛ وسردها الشعري الأثيرعبر المخيال الجمالى، تغزلها بمسرودية عارفة حكّاءة لأدب (السيرة الذاتية) – السيرذاتى،للذات المجروحة، “سيرة الحب”،الذى أهرقت هيوليته على عتبّات العالم. وهى رسائل.. قصائد.. قصص تعكس “بوح الذات ومكابداتها – عبر بوابات الوجع”، البعاد ،الغياب،كأنها في منافى الكون تستطلع شمس حضوره ،لكن بهاءه قدغاب بعيداً مع الضباب الكثيف … تبكيه في ذاتها ، تصرخ ، تصمت ، تكمد الآهة والوجع ،وتسمو بوصفها أميرة جنوبية ، تسكن بقايا الشمس على بشرتها ، فتحيلها الى رهق ،وجع، صداع زاعق، أهوال ممتدة، تصوغها عبر صور شعرية ،أكثر اشراقاً وسرداً باذخاً يخمش وجه الجميلة السمراء، ويخشّ الى بؤبؤ الروح،من كل الطرق ،وعبر ثقوب الجسد المهترىء الصغير،الدافىء، الدامع، تقول :
” يا جسد اخرج ظلك على الأرض .. ارسم لي قدمين .. يدين .. جزعاَ.. ورأس .. لا تنسى أن يكون الرأس.. محشواً بكل أنواع الصداع عندما يجوب الوطن القني بنتا .. جنوبية تسكن بقايا الشمس على بشرتها “.(المجموعة ص2).
انها تأمر الجسد ،اذن 🙁 اخرج ظلك ) كما أمرته من قبل:(طوّقنى حتى الموت ) ،وكأنها ثنائية التوق عبر تبادلية: “الصورة والظلال ” ،وعبر التّشكيل ، والتّجسيد اللغوى الباذخ ، والكلمات المنتقاة ،الخارجة من جسد محبّة ، أنثى عاشقة تتشهّى الدفء ، تبكى ، تزعق ، تصاب بكل أنواع الصداع ،من غياب المحبوب الذى وصفته :”بالقنى ” العبد” ، الحبيب .. الوطن والملاذ ،حيث لايعرف قيمة الأنثى الجنوبية ،وجمالها الأسنى والأشهى،اذ بقايا الشمس المتكوثرة بالنور تسكن على بشرتها،وكأنها اشراقة الشمس المحبّة على العالم،الذى لايشعر بقلبها العاشق الصغير
انها تجيد فن المونولوج الداخلى ، حوارية الذات،عبر الكمون،الاستبطان النفسى ،تشكو ذاتها لذاتها ، وتتلذذ بالوجع ،لتتخلّص من المرار ، لتجابهه بقوة ،وتقف في وجه الريح عبر أشياء صغيرة جداً ، لتصنع لها هامشاً في منتصف القلب ،لتدافع عن ذاتها المأزومة ، للغزو الآتى من رهق الوجع والبعاد .
انها الغربة في منافى الذات ،عبر المكان ،والزمان ، تستنطق الروح ، وتحدّث الفؤاد،عبر “تراسل الحواس” لتشرك القارئ ، الذات ،والكاتبة – أيضاً – في مسيرة الانتظار الكبرى، لفتى الحلم الذى ربما لن يجىء أبداً ، ويتجلى ذلك عبر الضمائر التى تصنع تبادلية ،تكشف المستور خلف ظاهر النص ،وتحيلنا الى : “من سرق المشار اليه خلف ظاهر النص ، وجوهره الشهىّ “.
انها اذن تتخيّل ، تهيم عبر مسيرة المكان ،وفيزيائيته، تسرد التفاصيل السيميوطيقية الصغيرة للأنثى ، وتنثر ذاتها على قارعة الطريق ،وفى محطات المترو،على البحر ، في شوارع العالم ، في المنزل ، في الجبال ، بين الغرود الطينية ، لتتفاجىء ، وتصطدم بأنها :” ليست مسجلة في بطاقته العائلية ” ، لأن هناك أخرى قد احتلت خانة الزوجة ، التى كانت قد حجزتها ،بفعل الحب ، ، أو أنه حق أبدى ، حق الحب.. و هكذا ملّت الصّبر، والبكاء والوجع ،بفعل طول الانتظار ،لكن الحبيب / الخائن / الجبان / المقهور أيضاً ،- كما وصفته – لم يرد على الهاتف ، ورأينا -هناك – يظلّ هائماً ، أيضاً ، يبكى حطب ورماد حبّها المحترق .
انها اذن لغة التراكب ،والتراكم ، والاختزال ، والمفارقة، لغة محمّلة بتاريخ وجغرافيا وواقع ممتد ، عبر هندسة ديناميّة متسقة ، ومعمارية شاهقة، أو بالكاد على مقاس الحدث، لكنها محمّلة بترادفات ، ودوال ومدلولات كبرى ،عبر مضامينية رومانيكية شائقة وشيقة وموجوعة ، تعتمد فيها المجاز، والاستعارات الترميزية عبر البلاغة الجديدة للنصيّة التى تتوسل جماليات تتبدّى داخل السياقات السردية المتشابكة ، عبر عالم الأنثى الغامض ، المجهول ، السرىّ ، والذى لايعرفه الرجل ، وان ادّعى أنه يعرف كل شىء كعادته التاريخية الكبرى .
ان الكاتبة/ الساردة، الشاعرة هنا،تجيد رسم صورة اشراقية،جمالية،لشخصية المسروديات والحكايات ، فرأيناها – كمصوّة بارعة – تقبض بقوة هائلة على جماليات السرد،لتعيد رسم مشهديّة الأحداث،حيث تربط عبر اللغة،هارمونى السرد،بجوهر الحدث،وبعناية شديدة ،كما تضيف اليه لغة ساردة ، شاعرة ، معبرة عن الحدث،وكأنه ايهام : “بالسرد والشعر معاً “، وتلك لعمرى أسلوبية طريفة، جديدة.
انها تستخدم لغة البساطةالشعرية ،التعبيرات الرشيقة ،عبر تصوير جماليات المعنى ،لتطلعنا الى معمارالسرد الباذخ للشكل والمضمون معاً ، للسردية الشعرية،عبر تجليات الأنثى ومواجدها ، معراجها الكونى ، براقها اللغوى المشرق ، في ظل صوفية ،سوريالية ، سيموطيقية تستنطق الوجع في دواخلنا، وتزعق في الروح بكل معانى الانسانية النبيلة ، تقول في قصتها : ” أوتار ليست للعزف” : ( عندما أكون معك تصعد الأرض إلى السماء … تسقط السماء تحت قدمينا .. أفك شعري الأسود، أخلع منى “توكتي” الروز .. تصغر الطفلة التي بداخلي ألف عام .. أصنع لرأسي وسادة طرية من يديك .. بينما أنت تفرد حزنك للاسترخاء ) صــ35.
انه السرد الاسثناء ،والشعر الشهى ، تقدمهما طازجين في عناوين قصصها الشاهقة : “مساء بطعم الانتظار”و”المساء لا يصلح للتأرجح “و”عندما نغفو تبدأ الموسيقى”. أى انها تموضع جمالية الشعر لصالح السرد عبر الانزياح التى تحققت نسبية الانحراف تجاه الشعرية ، وكأنها تستفيد من طاقات الشعر والسرد وحمولاتهما لتجدد سردها ، متواليتها القصصية عبر الافضاء والتذكار ، الهيام الصوفى الواقعى ، المتخيل ، والمخيال الفضائى لمسيرة الوجع عبر منافى الذات الممتدة وعبر شعرية العنوان نلمح تناقضات الذات،المكان،الواقع، حيث : ” للزوايا أبعاد متناقضة ” ، و” التوت غير مهيأ لاستقبال العصافير ، لست في غاية السريّ “،” العيد يقف بعيداً “و ” أوتار ليست للعزف ” أندرا”،وكأننا أمام متتالية قصصية، أو رواية السيرة ، أو أدب الرسائل ، أو هى “رسائل عشق لأنثى المجهول ،للحبيب البعيد” .
ولى أن اتخير – على غيرعادة النقاد – ، قصة كاملة لها ، نطرحها هنا ، لنشاهد معاً شواهد ما قرأته لكم ، وما أشرت اليه ، ودون تعليق من جانبى كذلك ،تقول عبر قصتها/ قصيدتها : ( أراك غابة موحشة)، تقول :
( انتظرته فى الموعد والمكان المحدد، بقيت فى انتظاره حتى اختفت الطاولة من أمامى.. لم أبق عند النادل بأى قهوة أو عصائر، مرت علىّ كل الوجوه سلمتنى فصول السنة إلى بعضها، كانت الأيام فيها أسود متوحشة فى غابة لا تورق أشجارها.. انتظارك شكلنى امرأة غجرية أفترش والرمل، أضرب بالحجارة، أشق التمرات، أعد فى حبات الحصى فردية، وزوجية، أغدو فى الطرقات أهيم فوق الأرصفة كحروف تكتب كلمات لا تقرأ، أمد يدى نحو الشمس، أعصر منها حريقاً لأجفف من جسدى حروفاً سحرية، أبحث عنك فى وشم العرافات، أغمر وجهى فى دخان العرافين، أفتش فوق أرفف العطارين، أبعثر حبات الخردل، أسكب زجاجات الزيت، أدحرج من الأدراج كرات الحنظل، أخلط كل المساحيق قد أجده جالساً مع امرأة فوق رائحة المسك أو حمرة العنبر. شعرى المنثور يجهدنى وأنا أحاول لملمته، ينفلت من تحت رباطه ليذوب حبات السكر فى المقاهى وأنديه الرجال قد تعثر خصلة على أصابعه وهو يتحسس سخونة مشروبه. كل مساء أصعد أسبح فى السحب المتكتلة أحايلها أن تساقطنى أمطارا، قد أصادف قلب ورده أعجبته وهو يمر بالحدائق ويتحين الفرص لاقتطافها، أستنشق بكل تركيز قد تمر رائحة عطره لتدلنى على أى شرفة يجلس، أى أغنية يسمع، أى عصفورة ترتب زقزقتها دقات قلبه أى ضوء يصنع منه ابتسامته، أى عدد من أوراق النعناع يسقطها فى كوب شايه أفوت فى الطرقات كبلهاء هربت من مشفاها، أو قاتلة تهرب من سجانيها، أبحث عن قيدك كى أتحرر.
الأحلام تخاف أن تنبت أن يدهسها صحوى المتكرر؛أقلب فى دفتر حراس الحدود، لم تمنحه الموانئ والمطارات تأشيرة خروج.هل سافر فى عين امرأة وصار قوقعة فوق أصابعها أم خبأته امرأة فى قمصانها المشجرة، وذوبته فى حمرة خدها ثم سكبته طلاء فى غرفة نومها. تفر الأسئلة من فمى كعصافير الصباح.. كم امرأة قيدت.. كم امرأة صرن مجانين كم امرأة صنعت منك أرجوحة ونامت فوقها.. كم امرأة أسقطتك كأوراق الخريف. لمحته كان واقفا يعد فى النسمات التى تمر يجمعها ثم يطرحها من طول انتظاره لها دقائق كانت تشعل ثوانيها نار تلهبه تبكيه كطفل معتوه وهى واقفة أمامه تبدل الأحرف من فوق فمه يمهد لها غروده النائمة لتمر.. تهمس فى أذنه فيتطاير كذرات الرمل، تطلب منه أن يغمض عينيه.. تخلع أردية وقارها ثم يفتح عينيه تعمده فى روائحها ثم يستقبل اتجاهها ليدخل وثنيتها الجديدة) ” تمت “.
انها سياحة الذات عبر العالم ، عبر أمواج الذكرى وأهوال الزمن والمكان الصامت،الذى استدعى منها فكرة الخروج من شرنقة الجسد الى فضاء الروح، الى الحرية، الاشراق النور انها تهمّ بالخروج، الى النهار الآتى ، لكنها تظل قابعة هناك ترفل في جسد الماضى وذكرياته التى تشتبك مع الذات طوال الوقت ،تقول :
الطريق أمامى للبيت ممتد وفكرة الخروج مازالت تستدعينى من أقاصى جسدى . ( قصة : اشتباك، المجموعة، ص 20).
وفى النهاية نقول: اننا أمام مبدعة سامقة تنسج من عباءة السرد صورة الأبدية والخلود ،تجيد السرد المراوغ ؛ والقصة التي تمزجها بالشعر الراقي ؛ عبر تبادلية وانتقالات الضمائر،من ضمير الغائب،الى ضمير المخاطب،الى ضمير الحاضر،عبرالسرد السياقى البديع الشاعر، والرومانتيكى، الواقعى،السحرى.وكأنها عبر-الحساسيةالجديدة-،و”الواقعيةالسحرية”،تحيلنا الى معادلات موضوعية،وضمنية،وسياقية وتاريخية، وسياسية، وكونية أكثر اشراقاً ،ونورانية ، كما أنها توقع القارىء في جوقة كسر التّوقع، فتوهمه بالسرد،والانشاد معاً ،لتتغيّا جمالياتهما الشاهقة ، ثم تطير الى البحر، حيث تسبح ،وحيدة ، تستنطق موسيقا الخلود ،لتغنى للحبيب الذى لايجىء ” أنشودة الغياب عبر الجمال المهيب”، تقول : (عندما تشرق الشمس على معبدك ،أرسلها الى روحك، ستجدنى قابعة هناك) ” .
هوامش :
. (1)عبدالرحيم الخالد ؛ الكتابة عبر النوعية: مقالات في ظاهرة “القصة-القصيدة” ونصوص مختارة، القاهرة، 1994، ص. 15
(2) من المعلوم أن طريقة توزيع الخطاب في الشعر هي ما تمثل الاستثناء، وليس طريقة توزيعه في القصة أو الرواية اللتين تلتقيان مع جميع الأجناس غير الشعرية، أدبية كانت أو غيرها، في كونها خطابا نثريا عاديا، بيد أن الخراط يغض الطرف عن هذه الحقيقة البديهية، ربما حتى لا يقوض منذ البداية البناء المنطقي لتعريفه “للقصة القصيدة”، لأن في حالة العكس سيظهر أنه يتكلم بكل بساطة عن قصيدة النثر كما يقول الباحث .
(3) د.عبدالرحيم الخالد -؛القصة القصيدة: وهم تجنيس أو شبقية تنظير؛ مقال ؛ مجل
(4) حاتم عبدالهادي السيد ؛ كتاب السيموطيقا والخطاب الأدبي؛ وزارة الثقافة المصرية؛ النشر الاقليمي؛ دار الأمل للطباعة؛ القاهرة؛ 2015 .
(5) عبير فوزي أحمد ؛ طوقني حتى الموت؛ مجموعة قصصية / شعرية؛ وزارة الثقافة؛فرع ثقافة الخارجة؛ محافظة الوادي الجديد؛ 2010 .






