مقالات

علاء عبدالله يكتب: حين تسبق القيم التكنولوجيا.. قراءة في الرؤية الحضارية لمؤسسة رسالة السلام العالمية

في زمن تتسارع فيه الابتكارات العلمية وتتوسع فيه قدرات الإنسان التقنية بصورة غير مسبوقة، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا: من يوجه هذه القوة؟ وهل يكفي التقدم العلمي وحده لبناء مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا؟ هذه التساؤلات تشكل جوهر الرؤية الفكرية التي تطرحها مؤسسة رسالة السلام العالمية، بقيادة المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي، والتي تقدم مشروعًا حضاريًا ينطلق من إعادة الاعتبار للقيم بوصفها الأساس الحقيقي لأي نهضة إنسانية.

ولا يتوقف العرض الفكري الذي قدمته المؤسسة عند حدود الخطاب الديني التقليدي بل يطرح تصورًا حضاريًا متكاملًا يربط بين المعرفة والأخلاق، ويؤكد أن الأزمة التي يعيشها العالم اليوم ليست أزمة نقص في التكنولوجيا، وإنما أزمة غياب المنظومة القيمية القادرة على توجيه هذا التقدم نحو خدمة الإنسان.

تلفت الرؤية الانتباه إلى المفارقة التي يعيشها العالم المعاصر؛ فالتقدم العلمي نجح في إزالة الحواجز الجغرافية وربط شعوب الأرض في منظومة واحدة، لكن هذا التقارب التقني لم يصاحبه تقارب أخلاقي بالقدر نفسه، الأمر الذي جعل الصراعات والأزمات أكثر تعقيدًا رغم التطور الهائل في وسائل الاتصال والمعرفة.

ومن هنا تبرز الفكرة المركزية التي تؤكد أن امتلاك أدوات القوة لا يعني بالضرورة حسن استخدامها، وأن الحضارة لا تقاس بما تنتجه من تقنيات بل بقدرتها على توظيفها لتحقيق العدالة وصون كرامة الإنسان.

تميز العرض بتقديم معادلة واضحة؛ فالعلم يجيب عن سؤال “كيف؟” بينما تجيب القيم عن سؤال “لماذا؟”، فالمعرفة يمكن أن تستخدم للبناء كما يمكن أن تُستخدم للهدم لكن الذي يحدد الاتجاه هو المنظومة الأخلاقية التي تحكم هذا الاستخدام، وتعيد هذه الفكرة الاعتبار لدور الضمير الإنساني باعتباره الضامن الحقيقي لتوجيه الإنجازات العلمية نحو خدمة البشرية، بعيدًا عن الهيمنة أو الصراعات أو المصالح الضيقة.

من أبرز ما يميز هذه الرؤية أنها تقدم المقاصد القرآنية باعتبارها إطارًا عالميًا للقيم المشتركة وليس خطابًا موجهًا إلى فئة بعينها، فالعدل، والرحمة، والحرية، والكرامة، والأمانة، والتعاون، واحترام التنوع، كلها قيم إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، ويمكن أن تشكل أرضية مشتركة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

وفي هذا السياق، تؤكد الرؤية أن التنوع الحضاري ليس مصدرًا للصدامبل فرصة للتكامل، وأن البحث عن المشتركات الإنسانية هو الطريق الأقصر لترسيخ السلام والتعايش.

ما يلفت الانتباه في هذا المشروع الفكري أنه يتبنى خطابًا منفتحًا يدعو إلى الحوار والتعاون، ويرفض الإقصاء والانغلاق، فالرسالة لا تخاطب مجتمعًا بعينه ولا تقتصر على ثقافة محددة، وإنما تتوجه إلى كل من يؤمن بأن مستقبل البشرية لا يمكن أن يقوم على القوة المجردة، بل يحتاج إلى منظومة أخلاقية ترشد العلم والسياسة والاقتصاد نحو خدمة الإنسان.

وتنسجم هذه الرؤية مع المتغيرات العالمية التي باتت تبحث عن نماذج فكرية تعزز ثقافة السلام وتحد من أسباب الصراع، في ظل عالم أصبح أكثر ترابطًا من أي وقت مضى.

تختتم الرؤية برسالة تحمل دلالة عميقة مفادها أن العالم لا يحتاج إلى مزيد من أدوات القوة، بقدر حاجته إلى حسن إدارة هذه القوة، فالإنسان، بما يحمله من قيم ووعي ومسؤولية، يبقى الثروة الحقيقية لأي مشروع حضاري، بينما تمثل الأخلاق الاستثمار الأكثر استدامة في صناعة المستقبل.

ومن هنا تبدو هذه الأطروحة محاولة جادة لإعادة صياغة العلاقة بين العلم والقيم، بما يضمن أن تكون التكنولوجيا وسيلة للبناء لا للهدم وأن يبقى الإنسان محور التنمية وغايتها، في رؤية تسعى إلى بناء حضارة تقوم على الحكمة والعدل والرحمة، قبل أن تقوم على الإنجاز المادي وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);