مقالات

علاء عبدالله يكتب: عندما يصبح المال خادمًا للإنسان لا سيدًا عليه

تظل قضية المال واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الفكر الإنساني، إذ تتعدد النظريات الاقتصادية وتتباين الرؤى حول كيفية إنتاج الثروة وتوزيعها وإدارتها، غير أن اللافت في رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي أنها تتجاوز هذه الجدليات التقليدية لتعيد طرح السؤال من جذوره: ما الغاية الحقيقية من المال؟ وهل خلق الإنسان من أجل جمع الثروة، أم أن الثروة خلقت لتخدم الإنسان وتحقق رسالته في إعمار الأرض؟.

هذه الرؤية لا تتعامل مع المال بوصفه مؤشرًا للنجاح أو معيارًا للتفاضل بين البشر، وإنما تعتبره وسيلة لتحقيق مقاصد إنسانية وأخلاقية أوسع، وهو ما يمنحها بعدًا حضاريًا يتجاوز المفاهيم الاقتصادية السائدة، فالإنسان، وفق هذا التصور، هو مركز البناء الحضاري، بينما تبقى الثروة أداة ينبغي أن تسهم في ترسيخ العدالة، صيانة الكرامة، وتحقيق التكافل بين أفراد المجتمع.

ومن أبرز الأفكار التي تستوقف القارئ في هذا الطرح إعادة تعريف مفهوم الملكية، فالمال بحسب الرؤية المستندة إلى القرآن الكريم، ليس ملكية مطلقة تمنح صاحبها حق التصرف دون مسؤولية، بل هو أمانة واستخلاف، يترتب عليهما واجب أخلاقي قبل أن يكون حقًا قانونيًا، ومن هنا تتحول علاقة الإنسان بثروته من علاقة امتلاك إلى علاقة مسؤولية ومحاسبة.

كما يلفت الشرفاء الانتباه إلى أن كثيرًا من أزمات العالم لا تعود إلى نقص الموارد أو ضعف الإنتاج، وإنما إلى سوء توزيع الثروة وغياب العدالة في إدارتها، فالعالم اليوم يمتلك من الإمكانات الاقتصادية والعلمية ما يكفي لتوفير حياة كريمة للبشر، لكن اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء يكشف أن الخلل الحقيقي يكمن في منظومة القيم التي تحكم حركة المال، وليس في حجم الثروة ذاتها.

وتبرز أهمية هذا الطرح في ربطه بين الإنفاق والاستقرار المجتمعي، فالعطاء لا يُقدَّم باعتباره تفضلاً أو منحة، وإنما باعتباره حقًا أصيلًا يحفظ تماسك المجتمع ويحد من الفقر ويمنع تراكم الأزمات الاجتماعية، وهنا تتحول العدالة الاقتصادية من شعار سياسي إلى التزام أخلاقي ينعكس على أمن المجتمع واستقراره.

وفي الوقت نفسه، يرفض هذا التصور اختزال المشكلة في امتلاك المال، إذ لا يدعو إلى محاربة الغنى أو التقليل من قيمة النجاح الاقتصادي، وإنما يفرق بوضوح بين من يملك المال ويوظفه في الخير، وبين من يتحول المال لديه إلى غاية تستعبد الإنسان وتسيطر على قراراته وسلوكه، فالخطر الحقيقي لا يكمن في الثروة، بل في عبودية الإنسان لها.

وتتجلى القيمة الحضارية لهذه الرؤية في ربطها بين الأخلاق والاقتصاد، فالتنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا انفصلت عن الضمير، والعدالة الاجتماعية لا تستقيم بالقوانين وحدها ما لم تسندها ثقافة تعتبر الإنسان غاية كل نشاط اقتصادي، ولذلك فإن بناء المجتمعات المستقرة يبدأ من إعادة الاعتبار للقيم التي تجعل المال وسيلة للعمران لا أداة للاحتكار أو النفوذ.

إن ما يقدمه المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي يتجاوز حدود الوعظ الأخلاقي، ليؤسس لفلسفة متكاملة ترى أن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بحجم الثروات أو ارتفاع الأبراج أو تضخم الأرقام في الأسواق، وإنما بقدرتها على صناعة إنسان يشعر بالكرامة، ويحيا في مجتمع يقوم على العدل والتكافل والمسؤولية المشتركة.

وفي عالم تتزايد فيه الفوارق الاقتصادية وتتسع فيه دوائر الفقر رغم وفرة الإمكانات، تبدو هذه الرؤية دعوة لإعادة التفكير في وظيفة المال، ليس باعتباره غاية نهائية، وإنما وسيلة لتحقيق الخير العام، فحين يدرك الإنسان أن الثروة أمانة، وأن الإنفاق استثمار في أمن المجتمع واستقراره، يصبح الاقتصاد شريكًا في بناء الحضارة، وتتحول القيم إلى القوة الحقيقية التي تحفظ الإنسان وتصون مستقبله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
setInterval(function () { jQuery("#matches-container").load(location.href + " #matches-container>*",""); }, 30000);