علاء عبدالله يكتب: “معركة الأمة الأخيرة”.. قراءة في مشروع علي الشرفاء الحمادي لاستعادة الفكرة العربية

لا يندرج كتاب “بقيادة جمهورية مصر العربية.. معركة الأمة الأخيرة من حلم الوحدة إلى مشروع الإنقاذ العربي للمفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي ضمن الكتب التي تكتفي بتوثيق الأحداث أو استعراض محطات التاريخ العربي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة بناء رؤية فكرية متكاملة تربط الماضي بالحاضر، وتبحث عن مداخل عملية لصياغة مستقبل عربي مختلف في ظل عالم يشهد تغيرات متسارعة على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.
اللافت في هذا الإصدار أنه ينطلق من فرضية واضحة مفادها أن الأزمات العربية ليست نتاج أحداث منفصلة، وإنما نتيجة تراكمات تاريخية وتحديات متشابكة فرضت نفسها على المنطقة لعقود طويلة، ومن هنا لا يكتفي الشرفاء بتشخيص الأزمة، بل يسعى إلى تقديم تصور متكامل لكيفية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة صناعة المستقبل.
ويحسب للكتاب أنه يعيد طرح فكرة العمل العربي المشترك بعيدًا عن الخطاب العاطفي الذي طغى على كثير من الأدبيات السابقة، إذ يربط مفهوم الوحدة بقدرة الدول على بناء مؤسسات قوية، تحقيق المصالح المشتركة، وتطوير آليات التعاون السياسي والاقتصادي، باعتبار أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن يقوم على الشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى إرادة ومؤسسات ورؤية قابلة للتنفيذ.
ويبرز الدور المصري كأحد المحاور الرئيسية في الكتاب، ليس باعتباره طرحًا عاطفيًا أو تاريخيًا وإنما استنادًا إلى رؤية ترى أن استقرار الدولة المصرية يمثل عنصرًا مؤثرًا في معادلة الأمن الإقليمي، ويقدم المؤلف هذا الطرح من خلال قراءة للتحولات التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة وما ترتب عليها من انعكاسات على محيطها العربي.
كما يلفت الانتباه توسع مفهوم الأمن القومي في الكتاب، إذ لم يعد مقتصرًا على الجوانب العسكرية بل يشمل الاقتصاد والإعلام والثقافة والتكنولوجيا وحروب المعلومات، وهذه النظرة تعكس إدراكًا لطبيعة التحديات الحديثة التي لم تعد تُقاس فقط بميزان القوة التقليدية، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على حماية وعي مجتمعاتها وتعزيز اقتصادها وبناء مؤسساتها.
ومن أبرز نقاط القوة في الكتاب أنه يربط بين النهضة العربية وبناء الإنسان، مؤكدًا أن التنمية الحقيقية تبدأ من ترسيخ قيم العدالة، وتعزيز المشاركة، احترام القانون، والاستثمار في التعليم والوعي، وهي رؤية تؤكد أن الإصلاح لا يتحقق بالقرارات السياسية وحدها، وإنما يحتاج إلى مجتمع يمتلك القدرة على المشاركة في صناعة مستقبله.
اقتصاديًا، يقدم المؤلف تصورًا يدعو إلى استثمار الإمكانات العربية بصورة أكثر تكاملًا، من خلال تعزيز التجارة البينية، ودعم المؤسسات المالية والتنموية العربية، وتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات تحقق الأمن الغذائي وتوفر فرص العمل، وهي أفكار تكتسب أهميتها في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وما تفرضه من تحديات على الاقتصادات الوطنية.
ورغم أن بعض الطروحات الواردة في الكتاب قد تفتح بابًا للنقاش حول آليات التنفيذ وإمكانية تطبيقها في ظل الواقع العربي الراهن، فإن قيمة هذا العمل تكمن في إعادة إحياء النقاش حول مستقبل المنطقة، والدفع باتجاه التفكير في حلول استراتيجية طويلة المدى بدلًا من الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة.
في النهاية، يقدم علي محمد الشرفاء الحمادي من خلال “معركة الأمة الأخيرة” رؤية فكرية تسعى إلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوطنية والعمل العربي المشترك، مؤكدًا أن المستقبل لا يبنى بانتظار المتغيرات، وإنما بصناعة الإرادة، توحيد الجهود، والاستفادة من دروس التاريخ لبناء مرحلة أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة تحديات العصر، وسواء اتفق القارئ مع جميع أطروحات الكتاب أو اختلف مع بعضها، فإن هذا الإصدار يظل مساهمة فكرية تستحق القراءة لما يطرحه من أفكار ورؤى تفتح الباب أمام حوار عربي جاد حول مستقبل الأمة ومسارات نهضتها.





