علاء عبدالله يكتب: من إصلاح النفس إلى بناء المجتمع.. كيف يتحول “منهج الله” إلى مشروع لإعادة صياغة الأسرة؟

يقدم المقال المنشور حول رؤية المفكر العربي الدكتور علي محمد الشرفاء الحمادي قراءة تتجاوز الجانب الديني المباشر، لتضع مفهوم إصلاح النفس في إطار اجتماعي أوسع باعتباره نقطة البداية في بناء إنسان أكثر اتزانًا، أسرة أكثر استقرارًا، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة مظاهر العنف والتفكك والانحراف السلوكي.
وتزداد أهمية هذه الرؤية في ظل ما تشهده المجتمعات من تحديات متعلقة بالعلاقات الأسرية، تغير الأدوار، وارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري والاضطرابات السلوكية لدى بعض الفئات، ومن هنا تأتي محاولة المقال للبحث عن جذور المشكلة بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
اللافت في الطرح أن “إصلاح النفس” لا يظهر باعتباره دعوة وعظية عابرة وإنما مشروعًا متكاملًا يبدأ من بناء وعي الفرد بذاته وقدرته على ضبط انفعالاته وسلوكه، ثم ينتقل تأثيره بصورة طبيعية إلى الأسرة والمجتمع، فالإنسان الذي يمتلك قدرة على التحكم في الغضب والتوتر ويستطيع مراجعة أفعاله قبل اتخاذ القرارات، يكون أكثر استعدادًا لبناء علاقات مستقرة وأقل ميلًا إلى العنف والصدام.
وفي هذا السياق، يلفت المقال إلى مفهوم “الضمير الاجتماعي” باعتباره أحد المفاتيح المهمة لفهم السلوك الجمعي، فالرقابة الداخلية لا تتوقف عند معرفة الصواب والخطأ، وإنما تتحول إلى قوة دافعة تجعل الإنسان أكثر التزامًا بما يحقق الخير لنفسه ولمن حوله، حتى في غياب الرقابة الخارجية.
ومن النقاط المهمة التي يطرحها المقال كذلك إعادة النظر في العلاقة بين الرجل والمرأة داخل الأسرة، فهو يرفض أن تتحول الأدوار الأسرية إلى أدوات للهيمنة أو فرض السيطرة ويقدم بدلًا من ذلك تصورًا يقوم على التكامل والمشاركة وتحمل المسؤولية، فالرجل والمرأة وفق هذا التصور، ليسا طرفين في صراع على السلطة وإنما شريكان في بناء الأسرة وتربية الأبناء وتحقيق الاستقرار.
وهنا تظهر قيمة الربط بين المساواة والعدل؛ إذ إن المساواة لا تعني بالضرورة التطابق الكامل في الأدوار وإنما تعني احترام القيمة الإنسانية لكل طرف وإتاحة مساحة عادلة للمشاركة وتحمل المسؤولية، وهي رؤية يمكن أن تساعد على تجاوز كثير من الصور التقليدية التي حصرت المرأة في أدوار جامدة أو جعلت الرجل المسؤول الوحيد عن القرارات داخل الأسرة.
كما يتوقف المقال عند بعض القراءات التي ارتبطت بالموروث الاجتماعي أكثر من ارتباطها بجوهر النص الديني، مؤكدًا أهمية العودة إلى المقاصد الأساسية التي تقوم على المودة والرحمة والأمانة والتعاون، وهذه النقطة تفتح بابًا واسعًا لإعادة قراءة المفاهيم الأسرية في ضوء المتغيرات التي يعيشها المجتمع، بدلًا من التعامل مع بعض التصورات التاريخية باعتبارها قواعد غير قابلة للنقاش.
والأهم أن المقال لا يفصل بين إصلاح الأسرة وإصلاح المجتمع؛ لأن الأسرة في جوهرها هي البيئة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان، وداخل البيت يتعلم الطفل معنى الحوار والاحترام وضبط الغضب وتحمل المسؤولية، ومن خلال الأسرة تتكون شخصيته التي سيحملها معه إلى المدرسة والعمل والمجتمع.
ولهذا فإن أي خلل مستمر داخل الأسرة يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مشكلة اجتماعية أكبر، فالعنف الذي يبدأ داخل المنزل قد ينعكس على سلوك الأبناء، والتفكك الأسري يمكن أن يترك آثارًا نفسية واجتماعية بعيدة المدى، بينما تؤدي التربية القائمة على الاحترام والحوار إلى بناء أجيال أكثر قدرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
ومن هذه الزاوية، تبدو دعوة المقال إلى التعامل مع الأسرة باعتبارها “وحدة متكاملة” أكثر من مجرد توصيف اجتماعي؛ فهي دعوة لإعادة النظر في طريقة إدارة العلاقات داخل البيت بحيث لا يكون كل فرد معزولًا عن الآخرين، وإنما يتحمل الجميع مسؤولية مشتركة عن الاستقرار الأسري.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة عندما يربط المقال بين المشكلات الأسرية وبعض الظواهر الاجتماعية مثل انحراف الشباب وارتفاع معدلات الجريمة وتراجع الانضباط، فهذه الظواهر لا يمكن اختزال أسبابها في عامل واحد، لكن البيئة الأسرية تظل أحد العوامل التي تستحق الدراسة عند البحث في جذور السلوك الاجتماعي.
وفي تقديري، فإن أبرز ما يميز الطرح الذي يقدمه المقال هو نقله قضية الإصلاح من مستوى الخطاب النظري إلى مستوى التطبيق اليومي، فالإصلاح لا يبدأ بالضرورة بقرارات كبيرة، وإنما قد يبدأ من طريقة تعامل الأب مع أبنائه، من أسلوب الزوجين في إدارة الخلاف، ومن قدرة الإنسان على مراجعة نفسه قبل تحميل الآخرين مسؤولية أزماته.
كما أن ربط هذه الرؤية بالمناهج التعليمية يمثل جانبًا مهمًا في المقال؛ لأن بناء الإنسان لا يمكن أن يعتمد على الأسرة وحدها، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشترك فيها المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمع المدني، وإذا كانت التربية تستهدف إعداد أجيال قادرة على مواجهة المستقبل، فإن الجانب الأخلاقي والنفسي لا يقل أهمية عن المعرفة الأكاديمية.
ومن هنا يمكن فهم دعوة المقال إلى تحويل الأفكار المطروحة إلى مرجعية تربوية وتثقيفية، لا باعتبارها بديلًا عن التعليم، وإنما باعتبارها عنصرًا مكملًا له، فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى أشخاص يمتلكون المعرفة وإنما إلى أشخاص يستطيعون استخدام هذه المعرفة بمسؤولية ووعي واحترام للآخر.
وتبدو الرسالة الأعمق في المقال مرتبطة بفكرة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، فإذا تمكن الإنسان من ضبط نفسه، مراجعة سلوكه، احترام الآخرين، وتحمل مسؤولياته، فإن أثر ذلك لن يبقى محصورًا في شخصه، وإنما سيمتد إلى أسرته ثم إلى محيطه الاجتماعي.
وبالتالي فإن “إصلاح النفس” وفق الرؤية التي يعرضها المقال ليس هدفًا فرديًا محدودًا، بل يمكن أن يكون مدخلًا لإصلاح العلاقات وبناء الأسرة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وهذه المعادلة تجعل قضية الأسرة جزءًا من مشروع أكبر يتعلق بمستقبل المجتمع نفسه.
وفي النهاية، يضع المقال أمام القارئ فكرة تستحق التأمل: لا يمكن بناء مجتمع مستقر من دون أسر مستقرة، ولا يمكن بناء أسرة مستقرة من دون أفراد يمتلكون وعيًا بذواتهم وقدرة على ضبط سلوكهم وإدارة خلافاتهم بصورة إنسانية.
ومن هنا فإن الحديث عن “منهج الله” في إصلاح النفس، كما يعرضه المقال، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خطابًا منفصلًا عن الواقع، بل باعتباره محاولة لربط القيم الدينية بالسلوك اليومي، وتحويل مفاهيم مثل الرحمة والأمانة والعدل والمودة من مبادئ مجردة إلى ممارسات حقيقية داخل البيت والمجتمع.






